أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
263
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجعلكم مبصرين آياته » . و « كم » هو المفعول الأول ، وأصل يريكم : يأرإيكم ، فحذفت همزة أفعل في المضارعة لما تقدّم في « يؤمنون » وبابه ، فبقي يرئيكم ، فنقلت حركة الهمزة على الراء ، وحذفت الهمزة تخفيفا ، وهو نقل لازم في مادة « رأى » وبابه دون غيره ممّا عينه همزة نحو : نأى ينأى ، ولا يجوز عدم النقل في رأى وبابه إلا ضرورة كقوله : 554 - أري عينيّ ما لم ترأياه * كلانا عالم بالتّرّهات « 1 » قوله تعالى : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً : « أو » هذه ك « أو » في قوله : « أَوْ كَصَيِّبٍ » « 2 » فكلّ ما قيل فيه ثمّة يمكن القول به هنا ، ولمّا قال أبو الأسود : 555 - أحبّ محمدا حبّا شديدا * وعبّاسا وحمزة أو عليّا « 3 » اعترضوا عليه في قوله « أو » التي تقتضي الشكّ ، وقالوا له : أشككت ؟ فقال : كلّا ، واستدلّ بقوله تعالى : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ » « 4 » وقال : أو كان شاكّا من أخبر بهذا ؟ وإنما قصد - رحمه اللّه - الإبهام على المخاطب . و « أشدّ » مرفوع لعطفه على محلّ « كالحجارة » أي : فهي مثل الحجارة أو أشدّ . والكاف يجوز أن تكون حرفا فتتعلّق بمحذوف وأن تكون اسما فلا تتعلّق بشيء ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي : أو هي أشدّ . و « قسوة » نصب على التمييز ؛ لأنّ الإبهام حصل في نسبة التفضيل إليها ، والمفضّل عليه محذوف للدلالة عليه أي : أشدّ قسوة من الحجارة . وقرئ « أشدّ » بالفتح « 5 » ، ووجهها أنه عطفها على « كَالْحِجارَةِ » أي : فهي كالحجارة أو كأشدّ منها . قال الزمخشري موجّها للرفع : « وأشدّ معطوف على الكاف : إمّا على معنى : أو مثل أشدّ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفا على الحجارة » . ويجوز على ما قاله أن يكون مجرورا بالمضاف المحذوف ترك على حاله ، كقراءة : « وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » « 6 » بجرّ الآخرة ، أي : ثواب الآخرة ، فيحصل من هذا أنّ فتحة الدال يحتمل أن تكون للنصب وأن تكون للجرّ . قال الزمخشري أيضا : « فإن قلت : لم قيل « أشدّ قسوة » وفعل القسوة ممّا يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب ؟ - يعني أنه مستكمل للشروط من كونه ثلاثيا تاما غير لون ولا عاهة متصرفا غير ملازم للنفي - ثم قال : « قلت : لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة ، ووجه آخر وهو أنه لا يقصد معنى الأقسى ، ولكنه قصد وصف القسوة بالشدة ، كأنه قيل : اشتدّت قسوة الحجارة وقلوبهم أشدّ قسوة » وهذا كلام حسن جدا ، إلا أنّ كون القسوة يجوز بناء التعجب منها فيه نظر من حيث إنّها من الأمور الخلقيّة أو من العيوب ، وكلاهما ممنوع منه بناء البابين . وقرئ : قساوة « 7 » . قوله : لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اللام لام الابتداء دخلت على اسم « إنّ » ، لتقدّم الخبر وهو « من الحجارة » ، وهي بمعنى الذي في محلّ النّصب ولو لم يتقدّم الخبر لم يجز دخول اللام على الاسم لئلا يتوالى حرفا تأكيد ، وإن كان
--> ( 1 ) البيت لسراقة البارقي انظر النوادر ( 185 ) ، الخصائص ( 3 / 153 ) ، المحتسب ( 1 / 128 ) ، اللسان « رأى » . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 19 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 73 ) ، الطبري ( 2 / 235 ) ، القرطبي ( 1 / 462 ) . ( 4 ) سورة سبأ ، آية ( 24 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 263 ) . ( 6 ) سورة الأنفال ، آية ( 67 ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 263 ) .